تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 94
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
وقال: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا [الفرقان: 47] : أي سترا وحجابا لأبصاركم.
قال ذو الرمة «1» :
ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد
أي لما ألبسه الليل سواده وظلمته، كان كأنه صبغه.
وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى، لأن اللباس والثوب واقيان ساتران.
وقال الشاعر «2» :
كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا
قال الأصمعي: (ابن بيض) رجل نحر بعيرا له على ثنية فسدها فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: سد ابن بيض الطريق «3» .
وقال غير الأصمعي: (ابن بيض) رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتبعه مطالبه، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى، فلما أخذ الإتاوة رجع وقال:
«سد ابن بيض الطريق» أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سد الطريق «4» .
فكنى الشاعر عن البعير- إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي.
أو عن الإتاوة- إن كان التفسير ما ذكر غيره- بالثوب، لأنهما وقيا كما يقي الثوب.
وكان بعض المفسرين يقول في قوله عز وجل: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا [الفرقان: 47] أي سكنا، وفي قوله تعالى: هن لباس لكم [البقرة: 187] أي سكن لكم.
وإنما اعتبر ذلك من قوله: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه [يونس: 67] ومن قوله: